خليل الصفدي

220

أعيان العصر وأعوان النصر

فإن إيقاع الطلب على المثل أوقع من إيقاعه على ضميره ، لو قال : طلبنا لك مثلا فلم نجده ، وقول بعض أهل العصر : وأما ما يكاد يصل إلى حد الوجوب ، فمثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ [ الأحزاب : 50 ] وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها [ الأحزاب : 50 ] عدّل عن الإضمار إلى التصريح ، وكرر اسمه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ تنبيها على أن تخصيصه صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا الحكم - أعني النكاح - بالهبة عن سائر الناس لمكان النبوة ، وكرر اسمه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ تنبيها على عظمة شأنه ، وجلالة قدره ؛ إشارة إلى علّة التخصيص وهي النبوّة . ومن التحقير : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [ الأعراف : 162 ] ، فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [ البقرة : 59 ] دون : « عليهم » ، وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [ البقرة : 88 ] أضمر هنا ، ثم لما أراد المبالغة في ذمّهم ، صرّح في الآية الثانية والثالثة بكفرهم ، فقيل : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [ البقرة : 89 ] ، وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ [ البقرة : 90 ] . وأمثاله كثير فإذا تقرر هذا الأصل ، فنقول : لما كان أهل هذه القرية موصوفين بالشح الغالب واللؤم اللازب بدليل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « كانوا أهل قرية لئاما » ، وقد صدر منهم بحق هذين العبدين الكريمين على اللّه ما صدر من المنع بعد السؤال ، كانوا حقيقين بالنداء عليه بسوء الصنع ، فناسب ذلك التصريح باسمهم ، لما في لفظ الأهل من الدلالة على الكثرة مع حرمان هذين الفقيرين من خيرهم ، مع استطعامهما إياهم ، ولما دل عليه حالهم من كدر قلوبهم وعمى ، هذا ما يتعلق بالمعنى ، وأما ما يتعلق باللفظ في جمع الضميرين في كلمة واحدة من استثقال ، فلهذا كان قليلا في القرآن المجيد ، وأما قوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 137 ] ، وقوله : « أنلزمكموها » فإنه ليس من هذا القبيل ؛ لأنه عدول عن الانفصال إلى الاتصال ، الذي هو أخصر ، وعند فك الضمير لا يؤدي إلى التصريح باسم ظهر ، بل يقال « فسيكفيك إياهم اللّه » ، و « أنلزمكم إياها » فكان الاتصال أولى ؛ لأنه أخصر ، ومؤداهما واحد بخلاف مسألتنا . ثم هنا سؤالات : فالأول : ما الفرق بين الاستطعام والضيافة ، فإن قلت : إنهما بمعنى قلت : فلم خصصهما بالاستطعام والأهل بالضيافة . والثاني : فلم قيل : فَأَبَوْا أَنْ [ الكهف : 77 ] دون فلم مع أنه أخصر . والثالث : لم قيل أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ [ الكهف : 77 ] دون أتيا قرية ، والعرف بخلافة